الشيخ عبد الغني النابلسي

182

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

أي طريقة العارفين المحققين كما قال تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [ الإسراء : 53 ] ، أي الذي رأوه في الآفاق وفي أنفسهم وهو الظاهر بصورة كل شيء ، لأنها فعله كما يحاكي الإنسان غيره فيفعل فعلا هو صورة من حاكاه في عين الرائي ولم يتغير هو في نفسه ، لأن الفاعل لا يتغير بفعل . وقال تعالى في مقابلة ذلك : * ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ( 51 ) [ الكهف : 51 ] ، أي أشهدتهم الأغيار في الحس والعقل منهم ومن غيرهم وما أشهدتهم أنها فعل الحق تعالى وخلقه فهي مظاهره ، كما أن الأفعال مظاهر الفاعل ، وإن تخيلوا ذلك بألسنتهم وهم غافلون عنه ، فإنه لا يصل إلى أذواقهم لحجابهم بالمعاصي والمخالفات المتلبسة عليهم بالطاعات في الاعتقاد والأعمال وهم يقلدون بعضهم بعضا فضلوا وأضلوا . فكان ، أي النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا قدم ، أي قدم أحد له اللبن في اليقظة في الدنيا قال اللهم ، أي يا اللّه بارك لنا معشر المؤمنين فيه ، أي في ذلك اللبن وزدنا منه ، أي أكثره عندنا لأنه صلى اللّه عليه وسلم كان يراه ، أي ذلك اللبن في اليقظة صورة العلم باللّه وقد أمر ، أي أمره اللّه تعالى بطلب الزيادة من العلم بقوله : سبحانه له : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً وإذا قدّم إليه صلى اللّه عليه وسلم شيء آخر غير اللبن قال اللهم ، أي يا اللّه بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه ولا يقول عليه السلام وزدنا منه ، فلا يطلب الزيادة إلا من اللبن خاصة لما ذكر فمن أعطاه اللّه تعالى ما أعطاه من أنواع العطايا في الدنيا بسؤال ، أي طلب منه لذلك عن أمر إلهي له بأن يسأل كسليمان عليه السلام في ملكه ونبينا صلى اللّه عليه وسلم في علمه باللّه فإن اللّه تعالى لا يحاسبه ، أي ذلك العبد به ، أي بما أعطاه في الدار الآخرة البتة ومن أعطاه اللّه تعالى ما أعطاه من ذلك في الدنيا بسؤال ، أي طلب عن غير أمر إلهي له بذلك بل من تلقاء نفسه . فالأمر ، أي الشأن فيه ، أي في ذلك العبد موكول إلى اللّه تعالى إن شاء اللّه تعالى حاسبه في يوم القيامة به ، أي بسبب ذلك الشيء الذي أعطاه إياه في الدنيا وإن شاء ، أي اللّه تعالى لم يحاسبه أصلا وأرجو من اللّه تعالى في شأن العلم باللّه خاصة أنه تعالى لا يحاسبه ، أي العبد به ، أي بسبب حصوله له في الآخرة وما ورد في بعض الأحاديث من قوله عليه السلام : « لن تزول قدما امرئ يوم القيامة حتى يسئل عن ثلاث وذكر منها علمه ماذا عمل به » « 1 » فلعله غير

--> ( 1 ) رواه الدارمي في سننه ، باب من كره الشهرة والمعرفة ، حديث رقم ( 537 ) [ 1 / 144 ] وابن أبي شبية في المصنف ، كلام معاذ بن جبل رضي اللّه عنه ، حديث رقم ( 34694 ) [ 7 / 125 ] ورواه غيرهما .